النعيمي، عضو المجلس السياسي الأعلى: تعيش الساحة اليمنية تجربة فريدة ساعدت السلطة والمجتمع الاجتماعي
يمر العمل التعاوني في اليمن بتحول هيكلي جذري يتجاوز في واقعه مفهوم الرعاية والتدخلات الإغاثية المؤقتة وغيرها من الأنماط الاتكالية التي سادت عقود ما قبل الـ21 من سبتمبر 2014م،
ليتجه صوب مؤسسة المشاركة المجتمعية في التنمية وتأطيرها ضمن جبهة اقتصادية واجتماعية متكاملة وفق منهجية علمية وإطار مرجعي ينظمان لعلاقة تشاركية فعالة بين الدولة والمجتمع، ويعيدان صياغة مفهوم وهيكلة الجمعيات التعاونية باعتبارها ركائز أساسية لخط الدفاع الاقتصادي والاجتماعي، وسياجاً حمائياً للإنتاج المحلي في مواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، ولاسيما في ظل ما يفرضه تحالف العدوان على اليمن من حصار اقتصادي شامل وجائر.
اليمن – إدارة التحقيقات
ينطلق مسار العمل التعاوني من أسس فلسفة الانتقال بالعمل المجتمعي من النموذج الروتيني القائم على تلقي المساعدات، والتي سادت على مدى عقود ما قبل 21 سبتمبر 2014م، إلى نموذج تكاملي شامل يركز على استنهاض الطاقات البشرية، وحشد الموارد المحلية، وإدارة سلاسل القيمة لرفع كفاءة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي. وفي ضوء موجهات السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي، فإن النهوض بالاقتصاد المجتمعي يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد الكلي.
وفي السياق، يوضح نائب رئيس الوزراء، وزير الإدارة والتنمية المحلية والريفية، المدير التنفيذي لمؤسسة بنيان التنموية، المهندس محمد حسن المداني، المقاربة الأساسية لهذا النموذج بقوله: “إن المجتمع يمتلك فرصاً وإمكانات واسعة لسد الفجوات التنموية ومعالجة المشكلات من جذورها، شريطة تفعيل مبادئ وسياسات ومنهجيات التنمية المستدامة القائمة على هدى الله، والتعاون والتكامل وحشد الطاقات والاعتماد على الذات والتوكل على الله”.
مشيراً إلى أن تفعيل مسارات هذا النموذج تبدأ من تهيئة الأفراد المبادرين في القرى والعزل وتنتهي بتشكيل كيانات مؤسسية تعاونية تمتلك الكفاءة القانونية والمالية لإدارة سلاسل الإنتاج. لافتاً إلى أن مراحل الوصول إلى هذا النجاح مر عبر عقد ورش للتخطيط الاستراتيجي التشاركي نُظمت في أمانة العاصمة وفي بقية المحافظات الحرة، بهدف صهر جهود المكاتب التنفيذية والسلطات المحلية والجمعيات التعاونية في قالب تنموي موحد على هذا البعد الهيكلي. لافتاً إلى أهمية هذا التكامل في تحقيق النهوض بالاقتصاد المجتمعي باعتبار أن روحية التكافل وتكامل الخبرات والمهارات هي الركيزة الأساسية لبناء الاقتصاد الكلي، وضرورة لتمتين الشراكة بين شركاء التنمية في الحكومة والمجتمع والقطاع الخاص بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وينعكس إيجاباً على إنجاح الخطط التنموية الشاملة.
المرحلة الأولى: تأهيل فرسان وقادة العمل التنموي
تبدأ أولى خطوات المسار التنموي من القاعدة الشعبية عبر استكشاف وتأهيل العناصر البشرية الفاعلة وتدريبها تحت مسمى “فرسان التنمية”. وتهدف هذه المرحلة إلى إيجاد قادة تنمويين يمتلكون القدرة الفكرية والمهارات التشغيلية لترجمة الموجهات العامة إلى خطط واقعية ملموسة.
وفي هذا المسار، تعتمد أكاديمية بنيان للتدريب والتأهيل في برامجها التدريبية لفرسان التنمية على “منهجية ذو القرنين” المستنبطة من الثقافة القرآنية (وتحديداً من مبدأ “أعينوني بقوة”). وتركز هذه المنهجية على استنهاض همم المجتمع وحشد طاقاته وامكاناته الذاتية نحو إطلاق مبادرات مجتمعية خدمية وإنتاجية واسعة. وتتضمن هذه البرامج التدريبية التي تستمر عادة من ثمانية إلى عشرة أيام تزويد المتطوعين بمهارات وأساسيات العمل الطوعي، والمبادرات المجتمعية، والبحث السريع بالمشاركة (PRA) لتحديد أولويات الاحتياجات المجتمعية وجمع وتوثيق البيانات التنموية لإعداد خطط واقعية.
ولا يقتصر دور الفرسان على الجانب التوعوي العام، بل يتم تأهيلهم في تخصصات نوعية تخدم الاقتصاد المحلي بشكل مباشر. ففرسان المحليات واللجان الزراعية، على سبيل المثال، يعملون على تنظيم وحشد المجتمع على مستوى العزل والقرى، وتفعيل المبادرات الزراعية الذاتية، فيما يعمل فرسان الصحة الحيوانية على تقديم خدمات الرعاية البيطرية الأولية، وتوزيع حقائب الأدوية، وحماية الثروة الحيوانية. ويعمل فرسان الإرشاد والبحوث على نقل التقنيات الزراعية الحديثة للمزارعين، وإقامة الحقول الإيضاحية، وإرشادهم لاختيار البذور المحسنة. فيما يقوم فرسان المحاسبة والإقراض بإدارة الدفاتر المحاسبية للجمعيات، وتسهيل ومنح القروض البيضاء للمنتجين والمزارعين. أما فرسان التسويق وسلاسل القيمة فيعملون على ربط المنتجين بالأسواق المركزية، وإلغاء دور الوسطاء والمستغلين، وتنظيم انسياب السلع. ويتوج فرسان الإعلام التنموي الحراك التنموي بتوثيق قصص النجاح، ونشر الفكر التعاوني، ورفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية الاكتفاء الذاتي.
في السياق، أشاد عضو المجلس السياسي الأعلى محمد النعيمي بتجربة فرسان التنمية في استنهاض الشعب والدولة لمواجهة وتجاوز ما يعيق مساره نحو صناعة المستقبل التنموي المنشود، مؤكدا أنها ظهرت بالمستوى الذي يليق بما قدمه هذا الشعب وقيادته من التضحيات بدماء الشهداء والجرحى المعاقين التي سالت في سبيل نيل عزته وكرامته.
وقال- أثناء زيارة له لمؤسسة بنيان التنموية- التي اجتمع خلالها بقياداتها المجتمعية- أن ما يبذله فرسان التنمية في الميدان من جهود تصب في مسار تفعيل المشاركة المجتمعية في التنمية من خلال التنسيق بين جهود وإمكانيات المجتمع مع المتاح والممكن لدى السلطات المحلية وفق تدابير وحلول قللت الكلفة والجهد، كان من نتائجها إطلاق مبادرات مجتمعية عكست موازين التفكير النمطي، وأخرجت إلى الساحة تجربة فريدة ساعدت السلطة والمجتمع على خلق مناخات من التكافل تحولت في ظلها الصعوبات والتحديات إلى فرص نجاح مشهودة.
وفي تعليق له على أهمية استمرار هذا المسار التدريبي، أكد وكيل أول محافظة ريمة، محمد الحيدري، خلال اختتام احدى دورات فرسان التنمية في مديرية السلفية: “تكمن أهمية استمرار تنفيذ مثل هذه الدورات التدريبية لفرسان التنمية في بناء وعي المجتمع وتفعيل دور الجمعيات التعاونية والمبادرات المجتمعية للإسهام في تحقيق نهضة مجتمعية شاملة”.
ومن جانبه، يربط نائب وزير التعليم الفني والتدريب المهني السابق، د. محمد السقاف، نجاح هذا التأهيل بالعمق الثقافي والهوية الإيمانية للمجتمع بقوله: “إن نجاح تجربة مؤسسة بنيان التنموية في إحداث نهضة اجتماعية وتنموية مستدامة قائمة على هدى الله والمشاركة المجتمعية الواسعة يعد مشروع أمة، ونحن نؤكد دعم ومساندة كافة الفعاليات المجتمعية والرسمية لهذا المسار المستمد مبادئه وسياساته ومنهجياته من الثقافة القرآنية والهوية الإيمانية”.
المرحلة الثانية: من قاعات التأهيل إلى إطلاق المبادرات
يمثل الانتقال من قاعات التدريب إلى الميدان المعيار الحقيقي لنجاح فرسان التنمية. ويقود الفرسان مجتمعاتهم لإطلاق المبادرات الذاتية التي تلبي الاحتياجات الملحة للقرى والعزل. وتتعدد أشكال المبادرات التنموية المنفذة لتشمل رص وتأهيل الطرق الوعرة، وإنشاء الحواجز المائية، واستصلاح الأراضي الصالبة. وقد أسهمت هذه المبادرات في تغيير نمط التفكير من التركيز على تحميل ميزانيات النفقات الحكومية كافة الأعباء إلى حشد الطاقات والإمكانات المحلية المتاحة ودعمها بما يتوافر من الإمكانات عبر التدخلات المركزية الطارئة.
وحول هذا الأثر الميداني، يوضح أحد منسقي مؤسسة بنيان التنموية، زياد النهمي، طبيعة المسؤولية الملقاة على عاتق المجتمع في ظل الأزمات قائلاً: “يجب أن يستوعب الجميع أن البلد يمر بظروف استثنائية، تستدعي استشعار المسؤولية والعمل على إطلاق المبادرات المجتمعية التي تخدم المجتمع وتخفف معاناته جراء استمرار العدوان والحصار”.
وحتى لا يقف المسار عند حدود إطلاق مبادرات البنية التحتية، فقد انتقل الزخم الثوري إلى خطوات متقدمة تمثلت في مسار التوعية بأهمية تشكيل وتأهيل الجمعيات التعاونية كمؤسسات مجتمعية قادرة على إدارة “سلاسل القيمة” للمنتجات الاستراتيجية المدرجة في قائمة الأولويات الوطنية من الحبوب والبقوليات بأنواعها والعسل والدواجن والثروة الحيوانية والثروة السمكية وفق منهجية تعمل على تأهيل الجمعيات علمياً وعملياً على متابعة المنتج من مرحلة توفير المدخلات والبذور، مروراً بالعمليات الزراعية، ووصولاً إلى التعبئة والتسويق وتقليل دور السماسرة والوسطاء لضمان عوائد عادلة للمزارعين.
المرحلة الثالثة: الانتقال إلى الهيكلة المؤسسية
على الرغم من تحقيق المبادرات المجتمعية الأثر الإيجابي المنشود، إلا أن استدامة المنجزات تظل مهددة ما لم تؤطر تلك المبادرات في كيانات مؤسسية مستدامة. ومن هنا، انطلقت حملات التوعية الواسعة للتحول من العمل العفوي إلى العمل المؤسسي المنظم تحت مظلة “الجمعيات التعاونية”.
وتتجه الرؤية الجديدة للنهج التنموي نحو تفكيك المفهوم القديم للجمعيات التعاونية. ففي العقود السابقة، كانت الجمعيات مجرد واجهات شكلية تفتقر للبناء المؤسسي الفعال وتعتمد كلياً على الهبات والمنظمات الخارجية. ويصف الأكاديمي والناشط الاجتماعي، الدكتور محمد المروني هذا الواقع السابق مبيناً أنه تم تشكيل جمعيات داخل ملفات ورقية شكلية تتضمن تراخيص ولوائح مستنسخة، وانحصر عملها في الاستجداء والانتقال من منظمة إلى سفارة ومن وزارة إلى أخرى للحصول على الهبات.
وفي المسار، يعيد نموذج “دليل العمل التنموي” صياغة الجمعيات لتكون بمثابة شركات مساهمة عملاقة ذات طابع تعاوني قادرة على إدارة مشاريع كبرى والتحكم في الأسواق. ويفصل رئيس اللجنة الزراعية والسمكية العليا، نائب الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، أ. إبراهيم المداني، هذا التحول الاستراتيجي في بنية ووظيفة الجمعيات مبيناً كفاءتها المالية والإدارية بقوله: “الجمعيات التعاونية الجاري تشكيلها ستنشأ بكفاءة نظم مؤسسية وذات طابع تعاوني”، مؤكداً “حان وقت بناء الدولة الحديثة، والتي لا يمكن أن ترتقي إلى المستوى المنشود بعيداً عن مسار الشراكة والتعاون الحكومي- المجتمعي الفعال”.
ويضيف المداني موضحاً الحجم المالي والتنظيمي المستهدف لهذه الكيانات: “كل جمعية تنشأ على مستوى المديرية ستتحول إلى شركة عملاقة تدير مجمل الحراك الزراعي والتصنيعي في إطار خطط العمل على زيادة وتحسين جودة الإنتاج المحلي على طريق خفض وتحويل فاتورة الاستيراد التي تتجاوز قيمتها 5 مليارات دولار؛ ما يعادل 300مليار ريال، والتي فيما إذا قسمت بالتساوي على عدد المديريات ستحظى كل جميعة بحوالي عشرة مليارات ريال يمني، مما يمنحها ثقلاً مالياً متدرجاً مع مسار تكثيفها للخطط الإنتاجية ونجاح إدارة مشاريعها على مستوى الزراعة التعاقدية والقروض الحسنة وتنمية المشاريع الصغيرة والأصغر وتطوير مهارات الأسر المنتجة واستيعاب منتجاتها”،
وأكد المداني أن هذه الجمعيات ستدار بواسطة كوادر مؤهلة ومتدربة وفق مسار علمي وعملي متكامل؛ هيئة إدارية وإدارة تنفيذية ومحاسبين ماليين ووحدات فنية لسلاسل القيمة، والتسويق، والتخزين، والنقل، والبحث العلمي والإقراض، والصحة الحيوانية، ناهيك عما تمنح من شراكة استراتيجية مع السلطة المحلية لتنفيذ الخطط التنموية الموحدة واستقلالية مالية وإدارية تستند إلى مساهمة مجتمعية عينية ونقدية مباشرة للمنتجين بحيث يمكن للجمعية استيعاب وتفعيل وإدارة مجمل ما يتوافر في نطاق اختصاصها الجغرافي من موارد وامكانات مادية وطاقات وخبرات بشرية نحو الاسهام في تعزيز التنمية الزراعية والاقتصادية، وتحسين جودة المنتجات الزراعية، وتحسين دخل المزارعين وزيادة فرص العمل في هذا القطاع وتطوير المشاريع الزراعية المختلفة التي تساهم في رفع مستوى المعيشة في المجتمعات الريفية والمدنية”.
ولتحقيق هذه الكفاءة الشاملة، تعمل أكاديمية بنيان للتدريب والتأهيل بالتنسيق مع الجهات الحكومية على تنفيذ ورش مكثفة لبناء قدرات الهيئات الإدارية والرقابية للجمعيات المشهرة حديثاً. ويصف الدكتور علي السوسوة، الاهتمام السياسي البالغ بتمكين هذه الجمعيات بقوله: “إن مشروع الجمعيات التنموية وتأهيل كوادرها واحدة من أهم اهتمامات القيادة الثورية والسياسية، كونها بارقة أمل حقيقية نحو حشد الجهود للتخفيف من تداعيات الأزمة الاقتصادية الراهنة من خلال استغلال الإمكانات المتاحة لدعم التنمية الزراعية وصولاً إلى الاكتفاء الذاتي، وتعزيز برامج التكافل الاجتماعي وتبني مشاريع إنتاجية ومبادرات مجتمعية لتفعيل التنمية المحلية”.
المرحلة الرابعة: الوضع القانوني ومنهجية الإشهار
يمثل الإشهار الرسمي والتأسيس القانوني للجمعية التعاونية تتويجاً للمسار الميداني الطويل. ولا تُمنح الجمعية ترخيص العمل القانوني إلا بعد استيفاء شروط مادية وبشرية تضمن ديمومتها وعدم انحرافها عن مسارها التنموي.
وقد حدد المشرّع اليمني في هذا الإطار جملة من الضوابط الصارمة لضمان جدية التأسيس، حيث ألزم القانون ألا يقل عدد الأعضاء المؤسسين للجمعية التعاونية الزراعية أو متعددة الأغراض عن تسعة وثمانين عضواً ممن تنطبق عليهم الشروط القانونية، بينما استثنى الجمعيات الحرفية بحد أدنى قدره واحد وعشرون عضواً. كما أوجب القانون كتابة عقد تأسيس موقع وموثق يشتمل على اسم الجمعية وصفتها التعاونية ونطاقها الجغرافي المحدد بدقة لتفادي أي تداخل أو تضارب في الصلاحيات بين الكيانات المتجاورة. ولتحقيق الانضباط المالي الشامل، أوجب القانون إخضاع كافة الحسابات للنظام المحاسبي الموحد المعمول به في الجمهورية اليمنية، مع ربط دورتها المالية بالدورة المالية للدولة.
وفي هذا الصدد، يؤكد القائم بأعمال وزير الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية، الشيخ عمار علي الكريم، على الأبعاد الحمائية لهذه الكيانات بقوله: “طريقة تكوينها وإدارتها لا بد أن تتسلح من أولى مراحل مخاضها إلى ولادتها بالأدوات القانونية والمادية التي تمكنها من مزاولة نشاطها بكفاءة تمنع التأثير على نشاطها من قبل أي من العوامل الفئوية أو العواطف الشخصية، ولا تصبح التعاونية منظومة اقتصادية تتضمن العنصر البشري والخبرة والرأسمال النافع والفعال إلا عندما تدار وفق القيم والمبادئ الأساسية للنهضة التنموية القائمة على هدى الله والمشاركة المجتمعية الواسعة، بحيث وحيث تتمتع بالشخصية الاعتبارية والأهلية القانونية الكاملة وبالاستقلال المالي والإداري غير المنفلت والخاضع للمتابعة والتقييم والمحاسبة”.
ومن الناحية التشغيلية، يربط مدير عام التخطيط بمحافظة صنعاء، أحمد دحان، بين التأسيس القانوني والهدف القومي للجمعيات التعاونية موضحاً: “إن أهداف الجمعيات ترتكز بدرجة رئيسية على بناء قدرات السلطات المحلية والجهات الفاعلة في المديريات واستنهاض وتحفيز المجتمع كشريك أساسي في صناعة الجبهة التنموية وسد فجوة المعاناة والاحتياجات من خلال الاعتماد على الذات لإيجاد مشاريع تنموية هادفة ومبادرات إنسانية خيرية عوضاً عن الاعتماد على المنظمات”.
الخلاصة
يكشف تتبع مسار تأسيس وبناء قدرات الجمعيات التعاونية في ظل نموذج العمل التنموي المتكامل عن ولادة استراتيجية تنموية يمنية خالصة، تتجاوز بارتداداتها الإيجابية ظروف العدوان والحصار المفروض على البلاد. وتؤكد معطيات هذا المسار الممتد من تدريب الفرسان وإطلاق المبادرات وصولاً إلى مرحلة البناء المؤسسي الشامل للجمعيات على جملة من الحقائق القطعية، أبرزها أن نجاح المبادرات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى تأهيل وكفاءة الكوادر البشرية المحلية واستنهاض طاقات المجتمع الذاتية؛ وتثبت التقارير الميدانية أن مسار العمل التعاوني يمثل السبيل الحتمي والمضمون لتأطير جهود المجتمع ضمن كيانات تعاونية قانونية مستقلة تمتلك مقومات الكفاءة والقدرة على انتزاع السيادة الاقتصادية كاملة غير منقوصة.
وفي سياق التحصين الإداري والمالي لهذه الكيانات، تحركت استراتيجية التمكين عبر خارطة تأهيل وتدريب شاملة طالت قيادات السلطات المحلية والمكاتب التنفيذية، حيث تمحورت البرامج حول مبادئ وسياسات العمل الطوعي والمبادرات المجتمعية لضمان توحيد الرؤية التنموية ومنع أي شكل من أشكال الازدواجية الإدارية في الميدان.
وتتكامل هذه الجهود التنظيمية مع ربط الجمعيات التعاونية بالأنظمة المحاسبية الموحدة والآليات الإلكترونية لضبط الشفافية المالية وتسهيل عمليات التدقيق والمحاسبة المستمرة، مما يجعل من الرقابة الصارمة والتقييم المستمر من قبل مؤسسات الدولة بمثابة صمام الأمان الحقيقي الذي يحمي الجمعيات التعاونية الناشئة من مخاطر الانحراف المالي أو السقوط في ركود الجمود الإداري.
إن القفزة الاستراتيجية الكبرى في هذا المسار تكمن في تحويل الجمعيات التعاونية من مجرد أطر تنسيقية إلى شركات تعاونية كبرى ذات طابع انتاجي واسع، مما يمنحها القدرة الكاملة على فرض توازن حقيقي وصارم في السوق المحلي، وحماية المزارع والمنتج البسيط من مقصلة استغلال الوسطاء والشركات الاحتكارية الكبرى التي تغذيها قوى الهيمنة. هذا التحول الاستثماري الشعبي المناهض للاحتكار يعيد هندسة السوق لصالح الفئات المستضعفة والمنتجة، ويحول الكيانات التعاونية إلى أداة لكسر شوكة الكارتيلات التجارية التبعية وتأمين عائدات عادلة للمنتج المحلي تضمن بقاءه واستمراره في عملية الإنتاج.
ولتحقيق الاستدامة وتأمين الارتدادات الاقتصادية الكبرى في الميدان، تفرض الاستراتيجية الوطنية الوطنية لتوطين المنتج المحلي الأولوية القصوى لاسيما مع مشاريع الصناعات التحويلية التعاونية، باعتبارها الحل الاستراتيجي الأمثل للتغلب على اختناقات التسويق وتقلبات الأسعار الحادة التي تحدث عادة في مواسم الوفرة وتستغلها القوى الاحتكارية لتركيع المزارع المحلي. ويتوازى هذا المسار مع توسيع نطاق برامج الإقراض التعاوني المباشر لتمويل التحول الحتمي نحو الطاقة البديلة والميكنة الزراعية الحديثة، كخطوة حاسمة لتقليل تكلفة الإنتاج وتعزيز التنافسية المطلقة للسلع الوطنية في مواجهة السلع المستوردة، وصولاً إلى بناء قاعدة إنتاجية صلبة تؤسس للاكتفاء الذاتي الناجز.
